الفقر يدفع النساء إلى أعمال صعبة في ظروف عمل قاسية
عاملات الطابوق في العراق ... شقاء متواصل بلا ضمانات

 

وسيم باسم من بغداد

ايلاف

الكثير من النساء الريفيات وغير المتعلمات في العراق يلجأن إلى معامل القطاع الخاص الصغيرة مثل معامل الطابوق ومعامل "ثرم البلاستك" إضافة إلى أماكن جمع القمامة لغرض الحصول على دخل بسيط يسد جزءا يسيرا من متطلبات المعيشة الصعبة في هذا البلد.
عراقية تعمل في أحد معامل "الطابوق" بغداد: تعمل أم حسين طيلة سبع ساعات في معمل طابوق يقع جنوب مدينة بابل (100 كم جنوب بغداد) باتجاه النجف، في ظل ظروف قاسية لا يتحملها أكثر الرجال صبرا وتحملا.
وأم حسين التي غطت وجهها فلم تعد تظهر إلاّ عينيها، بحجاب اسود وقاية لها من الشمس اللاهبة حيث تصل درجات الحرارة في الصيف إلى خمسين درجة، ترتدي إلى جانب ذلك عباءة حزمتها عند خصريها وحذاءا بلاستيكيا اسودا لا يقي قدميها من صدمات الحجارة المتناثرة في الموقع.
وأم حسين مثال لنساء عراقيات يقضين النهار كله في أعمال شاقة لا تتناسب وقدرت المرأة الجسدية.
عمل اضطراري
لكن أم حسين الأم لثلاثة أطفال والتي فقدت زوجها منذ نحو ثلاثة أعوام بعد مرض أصابه، لا تجد مصدرا رزقا آخر تعيل به عائلتها وهي مضطرة إلى هذا العمل الشاق الذي استهلك النصف من عمرها على حد تعبيرها.
غالبا ما تعتمد معامل الطابوق وسائل بدائية في النقل والإنتاج، كما تعتمد على الأيدي العاملة الرخيصة مثل النساء الريفيات أو غير المتعلمات أو الارامل وكذلك الأطفال.
وتحت أشعة الشمس الحارقة، تعوّد العراقيون على منظر نساء وأطفال وحمير وعربات تصنع الطين المفخور، وترصفه على المساحات بعدما يفخر داخل أفران "الكورة ".
وتشير أم حسين إلى رفيقاتها العاملات وهن ثلاثة إحداهن كسرت رجلها قبل نحو شهرين حين سقطت وهي تحمل على كتفها صفوف الطابوق.
طريقة بدائية
وانحسر عدد معامل الطابوق في العراق الى حوالي 14 معملا، مشيدة على أطراف المدن بطريقة بدائية لا تتوفر فيها شروط العمل الصحي ومتطلبات البيئة النظيفة حيث يدل الدخان الأسود المتصاعد في سماء العراق الصافية، على مدى الضرر الذي تلحق به هذه المعامل بالبيئة يوميا.
وبسبب انعدام فرص العمل الأخرى لاسيما في الزراعة ، فان الكثير من النساء الريفيات يلجأن الى معامل القطاع الخاص الصغيرة مثل معامل الطابوق و معامل " ثرم البلاستك" إضافة إلى أماكن جمع القمامة.
وتحصل أم حسين يوميا على مبلغ 12 الف دينار عراقي أميركي أي نحو ثمانية دولارات أميركية ، لتأمين لقمة العيش.

ولا تعتقد أم حسين انها ستستمر في عملها الشاق هذا بعدما دب الضعف في بدنها إضافة إلى حاجة أطفالها لها طيلة النهار.
قانون العمل الجديد
ينص الفصل العاشر من قانون العمل الجديد على أحكام تحمي المرأة العاملة منها إلزام صاحب العمل بحمايتها وعدم جواز تشغيلها بعمل ليلي الا اذا كان ضرورياً أو بسبب قوة قاهرة أو للمحافظة على المواد سريعة التلف.
ويمنح القانون المرأة الحامل أجازة خاصة بالحمل والوضع مدتها (72) يوما بأجر تام، كما يلزم القانون صاحب العمل عدم إرغام المرأة الحامل او المرضع على اداء عمل يضر بصحة الأم او الطفل ، كما يجيز للمرأة التمتع بأجازة أمومة خاصة لمدة سنة واحدة دون اجر تنصرف فيها لرعاية طفلها.
لكن إلى الآن لم تستطع ام حسين من تأمين مصدر آخر للرزق، لاسيما و انها لا تجيد مهنة ما سوى العمل في الزراعة . ولا تتردد ام حسين من العمل في المصانع والمعامل اذا وجدت فرصة لذلك ، طالما ان ذلك سيؤمن لها دخلا شهريا ثابتا.
ويبدأ عمل أم حسين إلى جانب زميلاتها منذ الصباح الباكر عبر نقل "اللبن" وهو الطابوق الطيني الذي لم يفخر بعد ، إلى الأفران التي ترتفع كثيرا على ارض في بطن " الكور"، إلى أن تكتمل عملية الفخر التي تتطلب وقتا طويلا ، حتى يتم نقل الطابوق المفخور إلى الخارج حيث يوضع على شكل صفوف تمهيدا لنقل وبيعه.
وما يثير الغرابة ان اغلب معامل الطابوق لم تطور آلياتها في عمليات النقل على رغم أنها لا تتطلب كلفا كبيرة.
ويقول أبو محمد المشرف على العمل في "الكور" ان شراء عربات صغيرة ناقلة وتثبيت أحزمة نقل لن يكلف كثيرا، لكن اغلب معامل "الكور" لا تريد تطوير عملها لان أصحابها باتوا على يقين ان هذه " الكور" آيلة الى الزوال عما قريب.
ويشير صاحب "كورة " عصام حسين ، الى ان هذه الافران البدائية تعيش أيامها الأخيرة ، وكان يتوجب ان تنقرض منذ وقت طويل لكن الحصار لاقتصادي الذي مر به العراق طيلة عقد من الزمن ، إضافة الى الحروب أبطأ من زوالها.
ويتابع : ليس هناك من وسيلة لتحسين ظروف العاملين لان أرباح بيع الطابوق قليلة جدا ولا تشجع على رفع رواتب العاملين أو زيادة أعدادهم . وتعرضت منال الحسيني (25 سنة ) الى أمراض جلدية خطيرة بسبب جفاف الجلد لعملها تحت أشعة الشمس القوية طيلة النهار إضافة الى تعرضها للدخان الأسود والغبار والأتربة أثناء عملها.
يد عاملة رخيصة
لكن سعيد القريشي صاحب معمل طابوق جنوب المحاويل يعترف ان أصحاب المعامل يجدون في النساء والأطفال أيدي عاملة رخيصة ، لكنه يشير الى ان هذه المعامل نجحت في توفير فرص عمل للمن في ظروف قاسية.
وتعتبر سعيدة صالح ان عملها في معامل الطابوق أفضل بكثير من عملها في مكامن النفايات حيث كانت تجمع الزجاج والأجواء البلاستيكية لتبيعها إلى تجار الخردة.
وتعمل سعدية منذ الفجر الى المساء باجرة لا تتجاوز الأربعة دولارات يوميا، من دون ضمانات صحية أو اجتماعية.
فاطمة تترك المدرسة
واضطرت فاطمة جاسب (22 سنة ) من المحمودية الى ترك مدرستها لغرض توفير مبلغ لعائلتها التي تشكو الفاقة.
وتضيف: تركت مقاعد الدراسة بعدما مرض أبي. وعلى رغم اني نادمة على ذلك إلا اني اشعر بالرضا، وتتابع: أتمنى ان تتاح لي فرصة العودة الى المدرسة مجددا.
ويثير مشهد النساء العاملات في معامل الطابوق المسماة ( الكور) ، فضول الكثير من العراقيين والأجانب على حد سواء.
ومنذ العشرينيات التقط سائحين أجانب الكثير من الصور لعاملات الطابوق ، نظرا للجهد الجبار الذي تبذله المرأة العاملة في هذه المهنة، لتصبح محل إعجاب وتقدير الجميع، لكنهن يثرن الكثير من التعاطف بسبب الجهد الشاق الذي يبدو في أغلب الأحيان انه يفوق طاقتهن.
المرأة الريفية وغير المتعلمة
وتقول الباحثة في حقوق المرأة في بابل أمينة الحسيني، أن المرأة الريفية وغير المتعلمة في العراق هي الاكثر عرضة لسوء الاستغلال من قبل المجتمع الذي يجدها وسيلة رخيصة للإنتاج.
وتتابع: المرأة الفقيرة غالبا ما تقبل مضطرة العمل الشاق.
وبحسب تخمينات فان عدد الأرامل والعوانس في العراق يصل إلى أكثر من مليون امراة يعانين شظف العيش ويعملن في أرذل الأعمال وأصعبها.

وفي معامل الطابوق في محافظة كربلاء فان اغلب العاملات من النساء، وكذلك الأطفال لاسيما الأيتام.
وتقول ام حيدر انها تعمل في " الكورة" منذ عام تقريبا بعدما تعذر الحصول على عمل آخر.
و بحسب ام حيدر فان العمل الشاق في هذه المهن لا يتحمله سوى "البغال والحمير" ، حيث تسخر بعض المعامل الحيوانات لأغراض نقل الطابوق.
العمل أفضل من التسول
لكن ام احمد تجد في مهنة إنتاج الطابوق أفضل بكثير من التسول في الطرقات. وتتابع : لن اشحذ طالما أني أستطيع العمل.
وتتألم أم احمد لمنظر النساء اللواتي يقفن في التقاطعات وهن يمددن أيديهن للتسول. وتقول انها غالبا ما تتحدث إليهن وتدعوهن إلى العمل حتى وان كان عملا شاقا مثل معامل الطابوق.
لكن أم احمد تعترف ان المرأة المتسولة تحصل على مبالغ هي أضعاف ما تجنيه من عملها.
وتحث الناشطة النسوية هناء الجميلي، المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان على تفعيل دورها في الضغط على الجهات المعنية لانتشال المرأة العاملة في العراق من واقعها المرير.
ويسكن ابو رحيم مع عائلته المكونة من ثلاث بنات في سكن بسيط بجانب معمل الطابوق ، حيث تعمل العائلة طوال النهر في نقل ورصف الطابوق حيث تبلغ أجرة تصنيع ألف طابوقة نحو ثلاثين ألف دينار عراقي.

 


Kostenlose Homepage von Beepworld
 
Verantwortlich für den Inhalt dieser Seite ist ausschließlich der
Autor dieser Homepage, kontaktierbar über dieses Formular!